Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

لوحة مسكونة بالمهارة، الخواص المكانية ، وكثافة المفردات والتصادم اللوني              

من خلال مواكبتنا للحركة الفنية التشكيلية في المملكة العربية السعودية يمكن التأكيد على جملة من الحقائق التي لبد من تأكيدها ، و نحن بصدد الكتابة عن واحد من فناني الرعيل السعودي الثالث إذا جاز لنا التعبير . أول هذه الحقائق و أبرزها ، كون الفنان السعودي يبدو محكوماً بحالة تفسيرية لا بد منها ، وذلك ليس في مجري الدفاع عن الموقع الثقافي الجديد الذي بات يحتله الفنان المصور في عالم شاسع من الثقافة الزمانية السمعية المسيطرة ، بل ان ذلك الموقع سيبدو الضرورة التثقيفية للآخرين الذين عليهم قراءة العمل الفني قراءة بصرية أخري يلح عليها بل و يحددها الرسام نفسه .

الحقيقة الثانية تكمن في كون جيل السبعينات السعودي تطور ونشأ دون مرجعية فنية ثرية تمده بمقومات واضحة تشرح أمامه المسافة الحقيقية بين ما هو محلي وما هو عالمي . لذلك فهو مجبر على ان يكتشف بذاته الأبعاد ، وأن يكرس لنفسه نظاماً خاصاً و ضوابط خاصة كي لا تجيء لوحته هجينة بعيدة عن السائد ، لكنها أيضاً ليست تكراراً لتعبيرية مملة شاهدها السعوديون كثيراً في كثير من الأعمال الفنية المنتجة محلياً.

هذا الجيل ، أي جيل السبعينات هو جيل القلق و البحث و الانفتاح بل هو جيل السؤال أيضاً.

من خلال دائرة السؤال الكبرى تتوقف اجتهادات الأجوبة . فهي عند عبدالله إدريس حالة تفسير لوني للموروث التراثي ، و عند نايل ملا مغامرة أخري تسقط كل ما هو تصويري تشخيصي ، ……..، لكنها عند عبدالرحمن السليمان  ستجيء مزيجاً هائلاً من الاجتهادات التعبيرية على مسطح تصويري يحتوي كل العناصر و الرموز المكانية ، لكنه لا يتذرع بكينونته أو بتكوينه النهائي بوجودها بل بنفي وجودها ، حتى لكأن هذا الفنان عندما يرسم يقرر كل إضافة خطية أو لونية على ضوء ما وضعه سابقاً ، فالمستطيل اللوني الواسع يلغي ذاته تلقائياً لتبدأ عملية الاشارة إلى الهوامش أو الحواشي المشحونة بالعناصر ، ثم تبدأ عند الفنان عملية الافصاح التلويني من خلال التصادم بين المعتم و المضيء ، بين الحار و البارد ، أو بين اللون و نقيضه.

يوصلنا هذا التأليف الى سيطرة أخاذة على المساحة برمتها و إلى حوار جدي و ذكي بين الفنان و المتلقي الذي لا يكتفي بجزئية واحدة ، بل بتفاعل كامل الأجزاء .

هل نحن أمام لوحة سعودية جديدة ؟ أم نحن أمام اجتهاد تشكيلي آخر يسعى لأن ينجزه واحد من فناني السبعينات الذين ركزوا على ضرورة تأسيس شخصيتهم الفنية بمعزل عن لعبة التلميذ و الأستاذ ، بل و حتى بعيداً عن لعبة الاعجاب السريع بالاختبارية الغربية ؟

عبدالرحمن السليمان و على عكس ما يتنبأ به بعض النقاد من إصرار على التأسيس فوق العتمة ، فانه واحد من الفنانين الشباب الذين يعالجون إشكالية الاضاءة في اللوحة العربية الحديثة معالجة مثمرة وواثقة ، إذ يعمد الفنان إلى تقميش  مسطحه التصويري بالعنصر المضيئة لمجرد إبراز القوة الكامنة في المعتم و تبيان مدى أهميته كعنصر أساسي و ليس كخلفية و الفرق واضح بين هذا الذي ينتجه السليمان و ما ينتجه العديد من الفنانين الذين تتكون لوحتهم من مجرد عناصر و خلفية ، فهنا في لوحة هذا الفنان كل ما هو على السطح يدخل في أهمية العنصر التأليفي ، و اللوحة برمتها هي حوار جدي بين ذاكرة غير مروضة لفنان يصر على أن يغترف من وعائه الخاص و مشاهد لا يستطيع ان يتعامل بالمفرق مع العناصر التلوينية ، بل مع اللوحة كقوة حضورية أكيدة .

هذا الفنان السعودي الشاب ، هو الصوت الجديد الطالع من خضم بحثه الذاتي و اجتهاداته الرائعة ، وذلك في مجرى تأسيس اللوحة السعودية الثالثة التي لا تنتمي إلى الزخرفي ، ولا إلى التعبيري المباشر ، بل هي ان جاز لنا التعبير العصب الذي يشد أركان المثلث المكون من الرمز و التجريد و التعبير .

عمران  القيسي  مجلة إيوان / العدد السابع عشر أيار حزيران . تموز 1998.