الحقيقة
... الخيال :
يذهب الفنان عبد
الرحمن السليمان باتجاه مغاير للسائد ، ففي
تجربته الفنية يقيم محاوراته الطويلة مع
اللوحة عبر اختزالية متمكنة تقمع الأشكال
وتحيلها إلى تراكيب متحررة من القيود ، وفي
هذا الخضم المتلاطم ما بين الهندسية الصارمة
والتكوينات سريعة التنفيذ ، يوثق عبد الرحمن
السليمان معالم مدن هانئة تغفو على ما تبقى من
ضياء في ليل معتم ، طويل ، يسوده الصفاء
المناخي . وفي هذا المشهد الأثير ، يحاول
السليمان الانتقال بالفضاء التجريدي ذي
اللقطة الواسعة إلى مرحلة تجريدية لا تخفي
انحيازها إلى رسم المنظر الطبيعي . وعلى ما
يبدو فانه أسس هذه الدلالة كمؤشر أولي
للانطلاقة نحو رؤية فنية واضحة المعالم ، بيد
أنه يمارس تمويهاً يمزج فيه الحقيقة بالخيال
.. إذ يتضح ذلك من خلال الألوان الداكنة التي
تملأ فضاء السطح التصويري ومكوناته
التشكيلية ، فيما تشق تشرق بعض اللمعانات
والتآلفات اللونية الحارة سيادة القتامة
لتحدد معالم التوثيق غير المعلن .
لقد آثر عبد
الرحمن السليمان السير باتجاه معاكس حينما
فضّل استخدام الدائرة وحركتها القلقة في
إنشاءاته الأولى ، ومن ثم الالتجاء إلى تدوين
التلقائية الراعشة في بناء عناصر مشهده ، إذ
انه مضى بالتجريد المتكامل ليقذف به في وحي
التشخيص المختزل ، ووفق هذه الرؤيا نجد في
أعماله الأخيرة ما يشبه التصوير لتراكم
معماري معقد لا يسهل فك طلاسمه ، حتى وان اتسم
ذلك التراكم بخصائص العمارة الإسلامية ، من
خلال ما يشي به المشهد قليلاً . وفي لجة هذه
الاستقصاءات ، يجد عبد الرحمن السليمان متعة
كبيرة في التلاعب بالشكل وفق مبدأ الاستطالة
والتكوّر ، وترسيخ تقاليد العلاقة القائمة
فيما بينهما ، فعمله الفني أكثر ميلاً
للانحناءات المدورة التي تسبح في خلفيات
مستطيلة ، تزوقها بين آونة وأخرى إشارات
زخرفية وخطوط تحديد الهيئات الخارجية
للأشكال . إن تلك اللعبة الفنية أوجدت لها
أصداء واسعة في سعيها لإيجاد وشائج ربط ما بين
فعل التجريد المحض ومحاكاة الواقع المرئي
ومكوناته ، ذلك الواقع الذي نراه يومياً حتى
ارتبط بمخيلاتنا وأصبح يمثل لدينا وجوداً
ساحراً في زمن التغيرات المفاجئة .
كفاح الحبيب
السيرة الذاتية معرض اللوحات دفتر الزوار كتابات نقدية الإتصال